عبد الوهاب الشعراني
109
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
قلت : وممن أدركته على هذا القدم الشيخ عبد الحليم بن مصلح ببلاد المنزلة غربي دمياط وسيدي محمد بن المنير المدفون بخارج الخانقاه للسرياقوسية ، والشيخ محمد الشناوي رضي اللّه تعالى عنهم ، فرأيت الشيخ عبد الحليم وقد لقيه شخص وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة فقال أعطني هذه الثياب ، فأعطاها له ولم يرجع إلى البيت ، وصلى بفوطة حمامي في وسطه . ورأيت الشيخ محمد بن المنير أعطى شخصا في طريق الحجاز ماتت جماله خمسمائة دينار ، فلما وصل الرجل إلى مكة أتى بها ، فقال له ما أعطيتها لك إلا للّه ولم يكن له به معرفة قبل ذلك . وأما الشيخ محمد الشناوي فلا يحصى ما أعطاه للناس من البهائم والخيل والغنم والقمح والنقود والثياب ، وكان يصرح ويقول جميع ما يدخل يدي من الدنيا ليس هو خاص بي ، وإنما أراه مشتركا بيني وبين المحتاجين ، فكل من كان أحوج قدم مني أو منهم ، وقد منّ اللّه تعالى عليّ بذلك فلم أر لي بحمد اللّه تعالى شيئا يخصني من المحتاجين به ، فالحمد للّه رب العالمين . فاسلك يا أخي على يد شيخ صادق ليخرجك من شح الطبيعة بأفعاله وأقواله ، وإلا فمن لازمك الشح وبتقدير أنك تعطي الناس ما يسألون فلا يخل ذلك من علة تؤثر في الإخلاص كما يعرف ذلك أرباب السلوك ، فإن الشيخ إذا لم يكن فعله سابقا على قوله كان قدوة لهم في الضلال كما إذا أمرهم بقيام الليل ونام هو ، وبالزهد في الدنيا ورغب هو ، واللّه إني لأصلي بالقرآن كاملا في ركعة واحدة في بعض الليالي وأود أن لو اطلع على ذلك بعض المريدين ليقتدوا بي في ذلك ، فإني أعلم أني إذا نمت ناموا فيمن يقتدون إذا كنت بالليل نائما ، وربما أخالف ما آمر الناس به فيعملون معدلي ولو في أنفسهم ، ويقولون إن الشيخ يأمرنا بالصلاة في الليل وينام ، ويأمرنا برمي الدنيا ويجمعها هو ، ويزهدنا في الدنيا ويأمرنا بإخراجها والتصدق بها ولا نراه يفعل هو شيئا من ذلك ، بخلاف ما إذا زهد الشيخ وأنفق أو تصدق أمامهم فإنهم ربما يتبعونه ، وو اللّه إني لأتصدق في بعض الأوقات بالدينار والقميص وأنا أحوج إليه أشد من الآخذ له تنشيطا للإخوان حتى يخرجوا عن مسك اليد ، وأرى ذلك مقدما على نفع نفسي ، فاعلم ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك . وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . وروى الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب ، ولا يقبل اللّه إلّا الطّيّب ، فإنّ اللّه يقبلها بيمينه ، ويربّيها لصاحبها ، كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى تكون مثل الجبل » . وفي رواية لابن خزيمة : « إنّ العبد إذا تصدّق من طيّب ، تقبّلها اللّه منه وأخذها بيمينه ، فربّاها كما يربّي أحدكم مهره أو فصيله ، وإنّ الرّجل ليتصدّق باللّقمة فتربو في يد